المغرب يؤكد ريادته في الذكاء الاصطناعي في قمة GenAI 2025

استضافت الدار البيضاء قمة GenAI المغرب 2025 في 18-19 نوفمبر، حيث جمعت أكثر من 250 قائدًا من مختلف أنحاء القارة وخارجها في حدث يُعتبر لحظة حاسمة في بروز المغرب كقوة إقليمية في مجال الذكاء الاصطناعي. ومع دفع المملكة قدمًا باستراتيجيتها المغرب الرقمي 2030، سلطت الكلمات الرئيسية وورش العمل والمعارض الضوء على إمكانات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصادات والحكومات — ليس فقط في المغرب، بل في جميع أنحاء أفريقيا، مما قد يفتح قيمة اقتصادية تصل إلى 1.5 تريليون دولار.
المغرب يضع الذكاء الاصطناعي في قلب التحول الوطني
في إطار خطة المغرب الرقمي 2030 التي أُطلقت في سبتمبر 2024، دمجت الحكومة الذكاء الاصطناعي كمكون أساسي لتحديث الإدارة العامة وإطلاق الاقتصاد الرقمي. وبدعم من ميزانية قدرها 11 مليار درهم (حوالي مليار يورو)، تهدف المبادرة إلى تدريب 100,000 شاب مغربي في المهن الرقمية وخلق 240,000 وظيفة بحلول نهاية العقد.
قالت أمل الفلاح الصغروشني، وزيرة التحول الرقمي والإصلاح الإداري في المغرب، التي تم تأكيدها في المنصب في أكتوبر 2024: “اليوم، لا يمكن تحقيق الانتقال الرقمي بدون الذكاء الاصطناعي”. وكانت الصغروشني باحثة سابقة في مجال الذكاء الاصطناعي ورئيسة المركز الدولي للذكاء الاصطناعي في المغرب، وقد برزت كصوت رائد في تشكيل مستقبل البلاد الرقمي. وأضافت في تصريحات حديثة: “الذكاء الاصطناعي ضروري للغاية للنجاح في الانتقال الرقمي وإصلاح إدارتنا”.
القمة تركز على بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي في أفريقيا
عكس جدول أعمال قمة GenAI أكثر من مجرد عرض للإنجازات التكنولوجية — فقد كانت منصة رفيعة المستوى لتشكيل التحالفات ومعالجة الفجوات الاستراتيجية. وشدد موضوعها المركزي على فرصة أفريقيا في تحقيق 1.5 تريليون دولار من القيمة الاقتصادية عبر الابتكار الرقمي، وهو رقم يبرز كل من الوعد والضغط على الحكومات والصناعة للتحرك بحسم.
تضمن الحدث جلسات نقاش حول السياسات العامة، والذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة، والحكامة الأخلاقية، والبنية التحتية الرقمية — جميعها مصممة لتلائم المشهد الاجتماعي والاقتصادي الفريد لأفريقيا. ناقش الوزراء وكبار التنفيذيين في القطاع الخاص والأكاديميون كيف يمكن لتجربة المغرب أن تكون نموذجًا للدول الأخرى التي تمر بانتقالات رقمية مماثلة.
شراكات استراتيجية تعكس ثقة عالمية
لا يتقدم المغرب بمفرده. فقد أقام شراكات بارزة مع شركات ذكاء اصطناعي دولية كجزء من جهود أوسع لتوطين الابتكار وتقليل الاعتماد على الحلول الأجنبية.
- في سبتمبر 2024، وقعت الحكومة مذكرة تفاهم مع شركة Mistral AI الفرنسية لتعزيز المهارات المحلية في الذكاء الاصطناعي من خلال البحث التطبيقي، والتدريب المهني، واحتضان الشركات الناشئة.
- تجري أيضًا محادثات مع OpenAI تركز على تكييف أدوات الذكاء الاصطناعي مع البيئة القانونية والثقافية في المغرب. بدأت المناقشات خلال اجتماعات ثنائية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين في نيويورك.
ترتكز هذه التعاونات على دفع الحكومة لضمان أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي في المغرب ليس فقط مبتكرًا، بل أخلاقيًا، وآمنًا، وشاملاً.
أسس مؤسسية وأطر حوكمة
لتنفيذ رؤيتها الطموحة، يتخذ المغرب خطوات لتقنين حوكمة منظومة الذكاء الاصطناعي. في أبريل 2024، اقترح المشرعون مشروع قانون لإنشاء الوكالة الوطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، المكلفة بوضع المعايير الوطنية، وأطر الترخيص، والمعايير الأخلاقية لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
بالإضافة إلى ذلك، وقعت وزارة التحول الرقمي واللجنة الوطنية لمراقبة حماية البيانات الشخصية اتفاقية في سبتمبر 2024 لإطلاق المنصة الوطنية للذكاء الاصطناعي المسؤول. من المتوقع أن تقدم هذه المنصة، المبنية على نماذج لغوية كبيرة مصممة خصيصًا للمجتمع المغربي، أدوات ذكاء اصطناعي تفاعلية للمواطنين والشركات مع الحفاظ على حقوق الإنسان وخصوصية البيانات.
عدم المساواة الرقمية يهدد النظام الشامل
رغم التقدم المؤسسي، لا تزال التحديات الهيكلية العميقة قائمة. كشف تقرير برلماني في مايو 2025 عن جهود متفرقة بين الوزارات، واصفًا المشهد السياسي بـ “التشتت وقلة التنسيق”.
تظل الثقافة الرقمية عقبة رئيسية أخرى. وفقًا لباحثي التحول الرقمي، لا يمكن تحويل الخطط الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة إلا بقيادة مستمرة ومنسقة. وفي محاولة لسد هذه الفجوة، تهدف الحكومة إلى تدريب 5,000 موظف حكومي من خلال شراكة مع اليونسكو وأطلقت برنامجًا وطنيًا لتقديم تعليم الذكاء الاصطناعي للأطفال كجزء من المنهج الرقمي الأوسع.
ضمان العدالة الإقليمية في تطوير الذكاء الاصطناعي
بينما يتركز النشاط الاقتصادي في مدن مثل الدار البيضاء وطنجة ومراكش، تتزايد الدعوات لضمان امتداد استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى جميع المناطق. أصبح معهد الجزري، الموجود في منطقة كلميم واد نون المهمشة، نموذجًا للتنمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي التي تركز على الزراعة الذكية، والطاقة المتجددة، والصحة الرقمية.
دعت الوزيرة الصغروشني إلى مستقبل يمكن فيه للمطورين السنغاليين والغانيين والنيجيريين الحصول على إقامة رقمية في المغرب — مما يتيح لهم الوصول إلى البنية التحتية الرقمية والأسواق المغربية دون الحاجة إلى وجود مادي. تعكس هذه الرؤية دفعًا نحو التكامل القاري، حيث يلعب المغرب دورًا محوريًا في تسريع نضج الذكاء الاصطناعي في أفريقيا.
تعزيز البنية التحتية والسيادة الرقمية
على مستوى البنية التحتية، يعالج المغرب قضية أخرى مستمرة: فإفريقيا تمتلك أقل من 1% من سعة مراكز البيانات العالمية. إذا تضاعف هذا الرقم مرتين أو ثلاث مرات، يمكن أن يصبح المغرب ملاذًا رقميًا للقارة — موسعًا البنية التحتية السحابية، ومشجعًا على توطين الخوادم، ومعززًا السيادة ضد احتكارات التكنولوجيا العالمية.
تُنظَّم أجندة السيادة الرقمية حول ثلاثة ركائز أساسية:
- تطوير البنية التحتية السحابية الوطنية
- توسيع مراكز البيانات الآمنة
- دعم مستهدف للشركات الناشئة في التكنولوجيا الناشئة
الاعتراف العالمي والتوافقات
تكتسب دبلوماسية المغرب في مجال الذكاء الاصطناعي زخمًا متزايدًا. فقد انضم رسميًا إلى عدة أطر دولية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك قمة باريس للعمل على الذكاء الاصطناعي ومبادرة الذكاء الاصطناعي التوليدي لمنظمة التعاون الرقمي. تؤكد هذه المشاركة على التعاون من أجل تطوير ذكاء اصطناعي مستدام وشامل وأخلاقي.
اعترافًا بدور المغرب المتصاعد، أعلنت برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المغرب مركزًا عربيًا-أفريقيًا للذكاء الاصطناعي — وهو لقب لا يرمز فقط إلى الثقة الدولية بل يرفع أيضًا سقف التوقعات لتنفيذ فعال.
نمو القطاع الخاص ونظام الشركات الناشئة
من منظور السوق، بدأ اقتصاد الذكاء الاصطناعي في أفريقيا يتشكل. وفقًا لشركة Heirs Technologies، جمعت الشركات الناشئة الأفريقية في مجال الذكاء الاصطناعي 1.25 مليار دولار بين 2019 وأوائل 2025. يضع المغرب نفسه، من خلال استراتيجيته الوطنية وشراكاته الدولية، لامتصاص حصة متزايدة من هذا الاستثمار ومصدر المواهب.
تُروّج مبادرة MoroccoAI، التي يقودها خبراء الذكاء الاصطناعي المحليون ومن الشتات، لمسار محلي لتطوير التكنولوجيا. وبعد مؤتمرهم في 2022، أصدروا 44 توصية تستهدف جاهزية المغرب للذكاء الاصطناعي وأهداف الشمول الرقمي.
لحظة حاسمة وسط واقع معقد
تأتي قمة GenAI المغرب 2025 في نقطة حرجة. فقد وضع المغرب إطارًا سياسيًا شاملاً، وبنى تحالفات دولية، وأرسى أسس اقتصاد رقمي مزدهر. ومع ذلك، يعتمد الطريق إلى الأمام على سد فجوات التنسيق، والاستثمار في رأس المال البشري، وضمان أن يقدم الذكاء الاصطناعي فوائد عادلة — ليس فقط لمراكز المدن أو الصناعات الكبرى، بل لكل منطقة وقطاع من المجتمع.
عند مغادرتهم الدار البيضاء، كانت الرسالة واضحة: لم تعد ريادة المغرب في الذكاء الاصطناعي مجرد طموح — بل هي في طريق التنفيذ. وسواء أصبح نموذجًا قاريًا أو فرصة ضائعة، يعتمد على ما سيحدث بعد اختفاء آخر جلسة في الذاكرة.




