المشهد التكنولوجي

ربط المستقبل: رهان المغرب المحسوب على التكنولوجيا

رؤية المغرب للعقد الرقمي المقبل تتخذ أشكالاً جديدة وجريئة، حيث خصصت الحكومة مبلغاً ضخماً يبلغ 1.3 مليار درهم مغربي، أي ما يعادل حوالي 140 مليون دولار، لدعم النظام البيئي المتنامي للشركات الناشئة في البلاد. الإعلان عن هذه الخطوة جاء خلال منتدى “الرقمنة الآن 2025” بالدار البيضاء، ليضع حجر الأساس لأكبر حملة تقنية طموحة عرفها المغرب ضمن استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”. بهدف تأسيس 1000 شركة ناشئة مع نهاية 2026 ومضاعفة هذا الرقم ثلاث مرات حتى 2030، يضع المغرب نفسه كلاعب مستقبلي أساسي في مشهد الابتكار الإفريقي.

التزام استراتيجي نحو مستقبل رقمي

كشفت عن هذا الاستثمار آمال الفلاح شگروشي، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، معتبرة إياه ركيزة أساسية في خطة شاملة لتحويل المغرب إلى مركز رقمي مزدهر. وقد تم إطلاق الاستراتيجية رسمياً يوم 25 شتنبر 2024 بالرباط، مع تركيز متجدد على الخدمات الإدارية الرقمية الميسرة، وخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وأهم من ذلك، رعاية جيل جديد من رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا القادرين على قيادة الابتكار على مستوى القارة.

وأكدت شگروشي في المنتدى أن “من خلال الاستثمارات، وإصلاح الإطار التنظيمي، والشراكات الدولية، يهدف المغرب إلى أن يصبح فاعلاً إقليمياً وقارياً رائداً في الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي المسؤول وصناعات المستقبل”. [المصدر]

تفاصيل مبادرة 140 مليون دولار

تم تقسيم الحزمة المالية المخصصة للشركات الناشئة بالمغرب والتي تبلغ 140 مليون دولار على ثلاثة محاور رئيسية:

  • برامج بناء وتطوير الشركات الناشئة – 750 مليون درهم (81 مليون دولار): هذا الجزء الأكبر يموّل برنامج “ستارت أب VB” الذي يطرحه بنك التنمية “تمويلكم”، ويوفر للمؤسسين تدريبات مكثفة، رأس مال انطلاقة، وإمكانية الولوج إلى الأسواق العالمية، بهدف بناء سلسلة من الشركات ذات الكفاءة العالية من الفكرة إلى التوسع الدولي.
  • رأس المال الاستثماري – 450 مليون درهم (49 مليون دولار): يعمل هذا المحور على تقوية صناديق الاستثمار الجريء وجذب المستثمرين الخواص لمعالجة فجوة التمويل الشهيرة التي طالما أعاقت نمو الشركات الناشئة المغربية.
  • توسعة تكنوبارك – 70 مليون درهم (7.6 مليون دولار): يوجه هذا الاستثمار لتحسين البنية التحتية والخدمات لشبكة تكنوبارك الوطنية، التي تحتضن الشركات الرقمية والتقنية الصغيرة والمتوسطة من خلال مكاتب مشتركة وإرشاد ودعم في تطوير الأعمال.

تتوقع الحكومة أن تقود هذه الاستثمارات إلى جمع تمويلات سنوية تصل إلى 7 مليارات درهم (نحو 763 مليون دولار) لصالح الشركات الناشئة عند نهاية العقد، وهو مؤشر على الثقة والطموح في قدرة هذا القطاع على تحقيق عائدات اقتصادية متسارعة. [المصدر]

الأهداف والجداول الزمنية: من 1000 إلى 3000 شركة ناشئة

وضعت أجندة المغرب الرقمي 2030 أهدافاً واضحة وقابلة للقياس: دعم 1000 شركة ناشئة بحلول 2026، وتوسيع هذا المجتمع ليضم 3000 شركة على الأقل بحلول 2030. بذلك سيزيد عدد الشركات الناشئة بأكثر من ثلاث مرات، مما يمنح دفعة ريادية مستدامة لقطاعات التكنولوجيا المالية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الزراعية وغيرها.

وهذا التوسع السريع أساسي لتقليص الفجوة في الابتكار مع الدول الرائدة إقليمياً، ولجعل المغرب منصة لإطلاق الحلول التقنية نحو إفريقيا. حيث من المتوقع ألا تكتفي هذه الشركات الناشئة بخدمة احتياجات السوق المحلية، بل ستنقل التقنية المغربية والمعرفة إلى أوروبا والشرق الأوسط وكامل القارة الإفريقية.

برامج ريادية ودعائم النظام البيئي

تقوم استراتيجية المغرب الرقمي 2030 على برامج مترابطة، كل منها يعزز حلقة محددة في سلسلة قيمة الشركات الناشئة:

  • برنامج بناء وتطوير الشركات الناشئة (Startup VB): يشرف عليه “تمويلكم” بدعم من مستثمرين عالميين. يرافق المؤسسين من الفكرة حتى طرح المنتج ودخول الأسواق الدولية، مع تأمين الربط بين الكفاءات، التمويل والخبرة.
  • معاهد الجزري: عبارة عن مراكز ابتكار جهوية تهدف إلى جعل ريادة الأعمال الرقمية في متناول الجميع خارج المدن الكبرى، واكتشاف المواهب المحلية في المناطق القروية والمدن الثانوية.
  • تكنوبارك: الشبكة الموسعة لتكنوبارك، والتي تدعم حالياً حوالي 450 مقاولة، توفر للشركات الرقمية الصغيرة والمتوسطة بيئة متكاملة ابتداءً من التمويل وصولاً لدعم التصدير، حيث أن %36 من هذه المقاولات تصدر حالياً للخارج (أوروبا، إفريقيا، الولايات المتحدة والشرق الأوسط).
  • منصات الإدماج الرقمي: برامج وطنية واسعة تهدف إلى تقريب فرص الاقتصاد الرقمي من الفئات الهشة، النساء والشباب وتقليص الفجوة الرقمية.
  • مسرعات البنية التحتية: استثمارات ضخمة مرتقبة في مراكز بيانات حديثة (مثل مركز البيانات الضخم بتقنيات Nvidia بقيمة 16,6 مليار دولار في طنجة) من أجل حجز مكانة المغرب في توفير %3 من سعة البيانات الإفريقية وترسيخ موقعه كمنافس إقليمي في مجال البيانات والحوسبة السحابية.

المنهجية شمولية: كل برنامج يعزز ما يليه، مع تفاعل المواهب والبنية التحتية ورأس المال لصناعة نظام رقمي ذاتي الاستدامة.

شراكات القطاع الخاص: دور “500 Global” و”Renew Capital”

أبدت السلطات المغربية إيماناً قوياً بالشراكة بين القطاعين العام والخاص كرافعة للابتكار. فاختيار 500 Global، وهي شركة رأس مال استثماري من وادي السيليكون تدير أصولاً تتجاوز 2.4 مليار دولار، لتنفيذ مبادرة Startup VB، يعتبر خطوة محورية. توفر الشركة دعماً استثنائياً للمؤسسين، وإرشاداً عالمياً، وشبكة علاقات تفتح الربط بين المغرب والأسواق التقنية الناشئة الأخرى.

أما شركة Renew Capital، فقد انضمت أيضاً لدعم موجة برامج بناء الشركات الناشئة بتمويل يبلغ 70 مليون دولار. وستكون خبرتهم أساسية لتحضير المقاولات المغربية لمتطلبات وتحديات الأسواق الدولية.

وقد لخّصت شركة 500 Global الأمر بقولها: “النظم البيئية تتسارع أسرع لما تجتمع القيادة العمومية مع خبرة القطاع الخاص يداً في يد”. وبدمج السياسات الوطنية مع الخبرة الدولية، يسعى المغرب لتهيئة مناخ استثماري تزدهر فيه الابتكارات التقنية بدلاً من هجرتها للخارج.

الاقتصاد الرقمي كمحرك للنمو

لا تتوقف استراتيجية الحكومة عند دعم المقاولات الناشئة فقط، بل وضعت خطة طريق عبر “المغرب الرقمي 2030” تشمل:

  • تحديث الخدمات الإدارية الحكومية عبر منصات رقمنة الإدارة
  • تعزيز الثقافة الرقمية وتطوير مهارات القوى العاملة
  • تشجيع الاستثمارات الأجنبية من شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات
  • رعاية أبطال وطنيين في قطاعات مثل التكنولوجيا المالية، الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الخضراء
  • ترسيخ موقع المغرب كحلقة وصل عربية-إفريقية رئيسية لمركز الذكاء الاصطناعي التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي

ولتحقيق هذه الأهداف، يتم أيضاً مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي، مع تسريع إجراءات تأسيس الشركات، تعزيز حماية الملكية الفكرية، منح امتيازات للشركات الناشئة الرقمية وتسهيل الولوج إلى منصات التكنولوجيا المالية العابرة للحدود، وهي كلها مكونات أساسية لاقتصاد قائم على الابتكار.

التحديات والإرادة

رغم قوة الخطة، ما زالت هناك تحديات قائمة؛ أبرزها التسريع في بناء بنية تحتية رقمية تنافسية، تطوير جيل من الكفاءات الوطنية قادر على المنافسة دولياً، تقليص الفوارق بين الجنسين في مجال التكنولوجيا، وإقناع المستثمرين المحليين والدوليين بدعم الأفكار المغربية على نطاق واسع.

ويواجه المغرب منافسة قوية، ليس فقط من رواد مجال الشركات الناشئة بإفريقيا، مثل نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا، بل أيضاً من مناطق قريبة تطمح لتكون بوابات ابتكار تقني مشابهة. وسيكون للاستقرار السياسي، تطور البنية التحتية ونجاح تطبيق هذه الاستراتيجيات الرقمية الدور الحاسم في تجسيد هذه الطموحات.

ومع ذلك، يظل الوزير شگروشي وقادة النظام البيئي واثقين في المستقبل، مُشيرين إلى نجاح الشركات الناشئة المغربية في التصدير (ثلثها تستهدف حالياً أسواقاً عالمية)، ومؤكدين أن “الأدوات الرقمية لا غنى عنها لتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي”.

لماذا الرهان مهم؟

للتحول الرقمي في المغرب آثار تتجاوز بكثير المجال التقني. فبحلول 2030، وإن توفق المغرب في تنفيذ خططه، قد يحدث ذلك تحولاً عميقاً في مسار الاقتصاد الوطني، ويوفر آلاف مناصب الشغل ذات القيمة المضافة، ويعزز مرونة الاقتصاد من خلال التنويع، ويقلص من بطالة الشباب. كما أن ابتكار حلول ريادية في الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الزراعية، والتكنولوجيا المالية، والتقنيات النظيفة، سيجعل التكنولوجيا المغربية مصدر إلهام وحلول لتحديات إفريقيا والشرق الأوسط.

وتمثل العشرية الرقمية المقبلة فرصة للمغرب ليس فقط لتقليص الفجوة، بل للقفز إلى الأمام، وتوظيف طاقة شبابه وإمكانات رواده نحو رخاء مجتمعي أوسع.

نظرة إلى المستقبل

مع انطلاق تنفيذ أجندة المغرب الرقمي 2030، سيتجه التركيز إلى وتيرة خلق الشركات الناشئة وكمية رأس المال الخاص الذي يجلبه الاستثمار، وقدرة البلاد على تكوين وتطوير الكفاءات الرقمية على نطاق واسع. مع توفر الأسس الصلبة والشراكات الدولية، أصبح رهان المغرب على الاقتصاد الرقمي خياراً مدروساً لتشكيل مستقبله وإلهام القارة بأكملها.

ولمزيد من التفاصيل حول الاستراتيجية الرقمية المغربية وآخر المبادرات، يمكن متابعة مستجدات الحكومة عبر موقع وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.

فريق أونيكس

يقوم فريقنا بمتابعة المشهد التكنولوجي في المغرب لتزويدك بمعلومات أساسية وموثوقة وذات صلة: أخبار وتحليلات ومقابلات وتقارير معمقة عن التكنولوجيا في المغرب.

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى