صياغة السيادة: الطموح المتوازن للمغرب في الذكاء الاصطناعي

أطلق المغرب رسمياً المبادرة الطموحة الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب، مما يمثل خطوة هامة نحو ترسيخ مكانة البلاد كقائد في مجال الذكاء الاصطناعي داخل إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل أوسع. تم الكشف عنها في 12 يناير 2026 في الرباط، وتهدف هذه البرنامج إلى الإسهام بمبلغ 10 مليارات دولار في الناتج الداخلي الخام للمغرب بحلول عام 2030، وخلق 50,000 فرصة عمل مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتدريب 200,000 خريج مزودين بمهارات متقدمة في الذكاء الاصطناعي.
تندرج هذه المبادرة ضمن استراتيجية أوسع لترسيخ الذكاء الاصطناعي في صلب التحول الرقمي للمغرب، مع التركيز على أربعة محاور رئيسية: السيادة، تطوير المهارات، التفوق في البحث، وتعزيز البنية التحتية. تمثل هذه الخطوة قفزة نحو الاستقلال التكنولوجي، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز القدرة التنافسية الإقليمية خلال العقد القادم.
الأهداف الاستراتيجية والأثر الاقتصادي
قدمت أمل الفلاح صغيروشي، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالتحول الرقمي والإصلاح الإداري، مبادرة الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب باعتبارها “رافعة استراتيجية” لتنمية المغرب الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية. وتتوقع الحكومة بحلول 2030 أن تضيف المبادرة أكثر من 100 مليار درهم مغربي (أي ما يعادل حوالي 10 مليارات دولار) إلى الناتج الداخلي الخام الوطني، مع خلق عشرات الآلاف من فرص العمل الجديدة ذات المهارات العالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والقطاعات الرقمية.
يتماشى هذا التوقع الاقتصادي مع رؤية المغرب لتحديث الخدمات العمومية، وزيادة تنافسية الصناعة، وتعزيز النمو المعتمد على الابتكار. من المتوقع أن تلعب الوظائف الرقمية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، دوراً محورياً في تنويع الاقتصاد المغربي بعيداً عن الاعتماد على القطاعات التقليدية مثل الفلاحة والسياحة. كما تتصور المبادرة أنه بحلول 2030 سيكون هناك ما يقارب 240,000 وظيفة رقمية جديدة في البلاد، مما يشير إلى نمو قوي للبيئة الرقمية يتجاوز الذكاء الاصطناعي وحده.
الأركان الأربعة للمبادرة
يرتكز إطار الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب على أربعة أركان تكاملية:
- السيادة: ضمان سيادة البيانات والاستقلالية التكنولوجية من خلال حوكمة موثوقة، وتنظيم ملائم، وبنية تحتية وطنية مثل خدمات السحابة السيادية ومصانع البيانات.
- تطوير المهارات: تنفيذ مبادرات ضخمة لتطوير الكفاءات بهدف تجهيز جيل جديد بكفاءة عالية في الذكاء الاصطناعي، مستهدفاً تدريب 200,000 خريج بحلول 2030 عبر مراكز تدريب متخصصة وبرامج جامعية.
- البحث والابتكار: إنشاء مراكز تفوق لتحفيز الابتكار، وتعزيز البحث التطبيقي، ودعم تبني التكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في قطاعات مثل الزراعة والطاقة والسياحة.
- البنية التحتية: بناء العمود الفقري لقدرات الذكاء الاصطناعي بمنصات بيانات وطنية، وبنية تحتية للسحابة السيادية، ونظم رقمية داعمة لتطوير ونشر حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
معاهد الجزاري: الشبكة الوطنية للذكاء الاصطناعي
عنصر مركزي في المبادرة هو إحداث معهد طريق الجزاري الراسين، كيان عام ذي منفعة عامة يقع مقره في الرباط ويعمل كمركز وطني للأبحاث والتدريب والابتكار في ميدان الذكاء الاصطناعي. ينسق هذا المعهد شبكة من مراكز الذكاء الاصطناعي الجهوية التي توزع عبر جميع جهات المغرب الاثنتي عشرة، رابطاً بين القدرات الأكاديمية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص.
تعكس نماذج معاهد الجزاري التزام المغرب بالتنمية المتوازنة للذكاء الاصطناعي، وضمان استفادة الجهات النائية والمحرومة من النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي. وكجزء من إطلاق المبادرة، تم تدشين أول معهد جهوي في جهة كلميم واد نون في منتصف 2025، تلاه مركز في الناظور بمنطقة الريف شمال المغرب. تركز هذه المراكز على القطاعات الاقتصادية الرئيسية محلياً وتسعى إلى ترسيخ الذكاء الاصطناعي كأداة تحول للتنمية الجهوية.
بعيداً عن التدريب، تؤدي هذه المراكز وظائف متعددة:
- البحث التطبيقي والتعاوني في الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات العملية التي تواجه الصناعات والإدارة المغربية.
- مشاركة وإدارة المنصات الرقمية، بما في ذلك مصنع البيانات الوطني الذي يركز بيانات القطاع العام لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- تطوير محرك البرمجيات الوطني الذي يعزز خلق وتوزيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي ومكونات الذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة.
- دعم الشركات الناشئة وحاضنات المشاريع الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تسهم في الاقتصاد الرقمي المغربي.
الاستثمار في البنية التحتية الحيوية
لتأمين السيادة التكنولوجية للمغرب في مجال الذكاء الاصطناعي، تشمل مبادرة الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب استثمارات كبيرة في البنية التحتية. فقد تم تشغيل مركز بيانات سحابي سيادي بقوة 50 ميغاواط، يوفر موارد حوسبة سحابية آمنة وطنية المستوى ضرورية لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي. كما تجري التخطيطات لإنشاء منشأة بيانات تعمل بالطاقة المتجددة بقوة 500 ميغاواط في الداخلة، تهدف إلى توفير قدرة حوسبة مستدامة لدعم البحث والنشر في مجال الذكاء الاصطناعي.
تعطي المبادرة أولوية أيضاً للتعدد اللغوي من خلال تطوير نماذج لغوية للذكاء الاصطناعي بـالدارجة المغربية والأمازيغية، مما يضمن أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي متاحة وذات صلة بواقع التنوع اللغوي للمغرب. هذا التركيز على القدرات اللغوية المحلية ضروري لاعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية والتعليم والتجارة.
الشراكات الوطنية والدولية
شهد إطلاق “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب” توقيع عدة اتفاقيات استراتيجية، من بينها شراكة بارزة مع Mistral AI، وهي شركة فرنسية متخصصة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. ستؤسس هذه الشراكة مختبراً مشتركا للأبحاث والتطوير مخصصاً للذكاء الاصطناعي التوليدي، ما يسهل تبادل التكنولوجيا ويعزز الخبرة التقنية.
كما عرضت الحكومة المغربية خططاً لمرافقة المبادرة بأطر حوكمة متينة. من المتوقع أن توضح تشريعات جديدة في حوكمة الذكاء الاصطناعي المعايير الأخلاقية والتنظيمية والأمنية لدعم الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني، مؤكدة على الالتزام بالثقة والشفافية.
دفع التحول الرقمي والسيادة
في جوهرها، تهدف مبادرة الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد تكنولوجيا مستوردة إلى قدرة سيادية مدمجة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب. من خلال تعزيز قابلية التشغيل البيني للقطاع العام ودعم تبني الذكاء الاصطناعي على مستوى الصناعة كاملة، تُعد المبادرة حافزاً للتحديث الشامل.
يوفر النهج المتعدد الجهات تنمية جهوية متوازنة ويساعد على معالجة التفاوتات داخل البلاد، مما يمكّن الأقاليم النائية من المنافسة في اقتصاديات قائمة على المعرفة. كما يمكن لمثل هذه الجهود تعزيز مكانة المغرب كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي يربط إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، داعماً التعاون الجنوب-الجنوب والابتكار المشترك.
بينما ينطلق المغرب في هذه الرحلة نحو الذكاء الاصطناعي، يشكل تقاطع البنية التحتية، والمهارات، والحوكمة، والبحث خارطة طريق وطنية شاملة. تمثل مبادرة الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب طموحاً اقتصادياً ورؤية للسيادة الرقمية وتمكين التكنولوجيا باعتبارهما مكونات أساسية للتقدم الوطني.




